«نظم البدع» للعلامة أحمد «ابن حنبل» بن البشير اليدمسي
١٩ أكتوبر ٢٠٢٦
يمثّل نظمُ «محيي موات ميّت الأحكام»، المعروفُ بنظم البدع، للعلامة أحمد بن حنبل بن البشير اليدمسي، درّةً صدفيّةً في بابها.
ترجمةُ الناظم في «تراجم وأعلام»: أحمد «ابن حنبل» ولد البشير ←
ذلك أنه يبرز لنا جوانب من الإصلاح الديني والاجتماعي للرجل الذي لم يقتصر على بثّ العلم في صدور الرجال، وإنما غربل العادات ونبذ ما خالف الشرع منها.
الكتاب شرحه وحقّقه الدكتور الصوفي ولد محمد الأمين، وطُبع على نفقة الأستاذ المفضال الشيخ أمين الصوفي.
يبدأ الناظم بالمسائل العقدية، ذاكرًا أنّ الجهل فيها كالعمد، فيقول:
وجاهل علم أصول الدينكمنكر فسوين ذين
ثم يعقد فصلًا لما تعتقد العامّة خلافه:
فقبلة الصلاة بيت مكةذاك الحرام سمه بالكعبة
وهو الذي يحج والطواف بهوالحجر الأسود فيه فانتبه
ومن يراها جهةَ الرسولفهو من الإسلام كالمسلول
ويتوقّف الشارح حفظه الله هنا بشيءٍ من التفصيل عند تاريخ بناء البيت وأخبار الحجر الأسود.
بدعُ الطهارة
واجد ماء قادرا تيمماان استحل، ردة تيمما
إلا فهو تارك الصلاةلتركه لشرطها المواتي
إلى أن يقول:
وقل لمن ضعف عن مسح الشعرمسح العمامة يبيحه الضرر
كذاك لو ضعف جل البدنلوجب الغسل ومسح الممكن
ثم يفيض الشارح حفظه الله في أحكام المسح، منبّهًا إلى أنّ العامّة تجهل غالبًا أحكام المسح لاقتصارهم في دراستهم على الأخضري وابن عاشر، ثم يذكر أنّ هذه المختصرات لا تشمل أحكام المسح، ذاكرًا أحكام المسح على الجبيرة والعمامة وغير ذلك.
مواقيتُ الصلاة
ثم إنّ ابن حنبل يعرض لمواقيت الصلاة، وتأخير الأذان عن أوّل الوقت، لا سيّما العشاء التي ربما أُخّر أذانها إلى الضروري:
لاسيما العشا فربما أخرأذانها الى الضروري المشتهر
وينبّه الشارح إلى ما يرى أنه أشنع من ذلك، وهو ترك بعض الحواضر لأذان السُّدُس.
بدعُ نقلِ الميّت
يقول ابن حنبل:
والشد للميت بالحبالعلى الحمير وعلى الجمال
وعدله بمزود من الترابفعل قبيح ليس من فعل الصواب
لأن ما يؤذيه وهو حييؤذيه ميتا وذاك غي
بدعُ الزكاة
ومن أشنع ما ذكر فيها دفعُ القيمة ودفعُ غير الجيّد:
قد شاع في الزكاة دفع القيمةعنها فما أقبحها من شيمة
بدعُ الأيمان
يقول فيها:
وسرة الرسول سرة الأبيونحوه في شرعنا عنه أبي
فقيل يكره وقيل يمنعفاتركهما فالاجتناب اوسع
من كان حالفا فبالله الحلفوالصمت أولى لحديث من حلف
وينبّه على ضرورة ستر العورة الخفيفة للرجل، وغير ذلك ممّا تساهل الناس في شأنه:
وكشح الأكمام عن الشواكلوتحت سرة من الأباطل
إلى أن يقول:
واعدد من الباطل كون الجاريةفي أرضنا قبل البلوغ عارية
فبنت ست سترها موجبكابن يج تجريده مجنب
فانظره في الدسوقي والدرديرفي ستر عورة على التخيير
وقد جزم في هذا النظم بحرمة الطبل فقال:
والطبل ممنوع بذي البلادلأنه إلى الضلال هاد
فكلما إلى الضلال آئلممتنع كما يقول القائل
لكنّ الشارح نبّه إلى رأي من يرى ذلك، معتبرًا أنهم احتجّوا بحديثٍ ضعيف. وينبّه إلى أنّ البيت الأوّل ربما يكون ضمّنه الشيخ ابن حنبل، وهو للقاضي أحمد فال.
بدعُ النكاح
يقول فيها:
جعل الشروط في النكاح بدعةقبيحة والترك هو الشرعة
اذ قيل تفسد وقيل تمنعوقيل تكره وذا المتبع
إلى أن يقول:
وكل ما ليس من التبجيلمجتنب في جانب الحليل
تصريحها باسم الحليل يكرهوهو لها في ملأ لا يشبه
بدعُ الطلاق
وقد تناول فيه ما يصاحب الطلاق من خروج الزوجة من مسكنها قبل تمام العدّة، قال:
والطالقات لاقيات حرجااذا خرجنا لأهالي مخرجا
يقول ذو الجلال جل الأسنى«لا تخرجوهن ولا يخرجنا»
تعلُّمُ الأحكام قبل العمل
ثم يقول في ضرورة تعلّم الأحكام قبل الإقدام على ممارسة مجالاتها:
وموقع البيوع والنكاحمن قبل علمها أخو جراح
اذ لا يجوز عمل الا لمنعلم حكمه؛ لذا تعلمن
ويتوقّف الشارح حفظه الله عند هذين البيتين، مقسّمًا العلم إلى كفائيٍّ وعينيّ، ذاكرًا أنّ من أراد الإقدام على ما هو كفائيّ فإنّ تعلّم أحكامه يصبح عينيًّا عليه؛ ممثّلًا لذلك بأمثلةٍ منها أنّ التاجر يجب عليه معرفة أحكام البيع قبل ممارسة التجارة.
ثم يقول في بعض البيوع الشائعة:
«إحسان» البان النياق والبقرممتنع للجهل فيه والضرر
ويتوقّف الشارح عند المقصود بـ«لحسان»، مبيّنًا حرمته لما فيه من جهالة؛ فهو بيعُ اللبن في الضروع.
القضاءُ وتعطُّلُ الأحكام
ثم يقول في شأن القضاء وتعطّل الأحكام، وأنّ جماعة المسلمين تقوم مقام الحاكم:
وقد جرى تعطل الأحكامفي أرضنا لعدم الحكام
ولاية الفاسق كالعدم اذهو كمن عدم حسا فانبذ
لكن في جماعة العدولكفاية عن حاكم العدول
حتى الحدود والقصاص فانظربحث الدماء في النثير تظفر
التصوّفُ ومدّعوه
ويقول في انحراف الناس عن جادّة التصوّف الحقّ والعقيدة الصحيحة، وأنّ أكثر الشيوخ يدّعون ما ليس لهم بحال، ويجمعون حطام الدنيا باسم الدين:
فعمت البلوى بمدعيناطريق هؤلاء الأقدمينا
بالمكر والتمويه والتمشدقوالزي بالهيئات والتملق
ويدعون نفعهم وضرهملما أرادوه لهم تبا لهم
والنفع والضر معا للبارمكور الليل على النهار
ويظهرون الزهد في الأحيانوالذكر والوضوء في ذا الشان
تحايلا لكثرة الأتباعوالجمع للحطام بئس الداعي
وهذا غيضٌ من فيض؛ فالنظم زاخرٌ بالأحكام الفقهية، مليءٌ بتصحيح العادات الاجتماعية المخالفة للشرع.